ومضات من الزمن الجميل

استوى الرجل على اريكته ، غارقاً في تأملاته ، بين حنين الماضي  وآنيّة الحاضر وأمل المستقبل،…فاليوم يبلغ الستين .
ولكن ، ما لهذا الكهل والمستقبل ؟
هو هكذا ، متفائل الطبع، ايجابي التفكير، زهي الاحلام .
زوجتة واولاده ، يغذّون  أماله وأحلامه ، ويساهمون في رسم صور ملونة تتراءى له .
بدأ الرجل يهمس بصوت ،كأنه الصلاة ، ويقول:
“من اعماق ألامي وأمالي  ،   أناديك سيدي.
من عطشي وجوعي، من خطيئتي وضعفي ، من أسري وعبوديتي ، أناديك .
لا تزح رداءك عني ، ففي الخارج صقيع …
ولا تدع يدي تفلت يدك ، فالجرف سحيق .
اهتف باسمك كل حين ، فلا تدع صوتي يخفت .
أراك سيدي ، في صبحي ومسائي ، في فرحي وحزني ، فلا تدع نظري يخبو.
بين أشجار الزيتون، أراك ، في الهضاب والسهول  ، أراك ، واشم غبار رداءك … فأصحو.”
أنهى الرجل دعاءه ، فسقطت من عينيه دمعة، كأنها البحار في امتدادها ،  والأنهر في غزارتها ، والبحيرات في صفائها.
دمعة …   تحمل  الشوق والحنين ، ألالم والمعاناة ، الأمل والرجاء ،الحكمة والفلسفة، الأيمان  والمحبة،  وترنو الىالنور والفرح،  ألتراب والبخور ،ألعطر والصعتر وأللحن والندامى.
وفيما هو غارق في دمعته ، دخل ابنه مسرعاً فرحاً ، وارتمى في أحضانه ، وأخبره بقبوله في احدى مستشفيات أميركا لمتابعة اختصاصه في الطب، ثم قبّل يديه معايداً ومتمنياً له طول العمر .
سقطت دمعة ثانية من عيني الكهل ، تحمل ما حملته الاولى ، مضيفة النجاح والفخر .
لم ير الابن الدمعتين ، واردف قائلاً: سأخذ معي الى تلك البلاد شهامة ابناء وطني ، وعزة نفوسهم ، وتألقهم،  ونجاحاتهم ، ونخوتهم،  ومحبتهم، وبساطتهم ،  وعاداتهم ، وتقاليدهم، وقيمهم ، ومبادئهم،  وفروسيتهم.
فسقطت دمعة ثالثة ، رأها الابن ، فسأل والده : لما هذه الدمعة يا أبي ؟
فتنهد الكهل بحسرة،  وبنظرة نحو الأفق ، وبصوت خافت قال : أخجل يا بني من كل ما ذكرت ، بل لا أرى اياً منها ، فهي ، اما ذبلت او تآكلت ، او مسخت ، او شاخت ، او أضمحلت ، وفي جميع أحوالها هي سائرة نحو الزوال .
فوجئ  الابن بما قال والده، فجلس بقربه  ممسكاً يده ، فأحس بقشعريرة سرت من يد والده اليه ، فامتلكت عقله ، وملأت كيانه ، واستقرت في مشاعره واحاسيسه وحواسه ، وتراءت له ومضات من الزمن الجميل .
رأى فلاحاً حاملاً محراثه ، متجهاً الى حقله ، وقد علت وجهه علامات العافية والقناعة والايمان ، وتوغل في وجهه اكثر ، فرأى النخوة والمحبة والقيم وعزة النفس و قسمات من الفرح والحبور .
وأدار نظره ، فرأى موظفاً يقود سيارةً فخمة ، وقد أرتسمت على وجهه علامات التأفف وعدم الرضى ، فغاص في وجهه اكثر ، فشاهد تجاويف من البؤس والشقاء والذل والطمع والكفر.
واختفت الصورتان.
ثم برز مشهد لرجل سياسي ، انتخبه ابناء منطقته  ليمثلهم في الندوة البرلمانية ، فرأه يسهر في الليل منكباً على دراسة وقراءة مشاريع قوانين ، مفنّداً بنودها ليعدّلها بما يخدم مصالح  المواطنين . وفي النهار يجول وحيداً دون مرافق يحمل ولو “عويسية”، على قرى وبلدات منطقته للوقوف على حاجاتها الانمائية والمعيشية . فتوغل في وجهه ، فرأى الرصانة والجدية  والحيثية والثقافة والتواضع ، وتوغل اكثر فرأى الولاء المطلق… لوطنه.
ثم ادار نظره ، فرأى نائباً … لم ينتخبه احد ، بل جاء ضمن قافلة من المحادل والجرافات والتراكتورات والسيكاتريك والقاطرة والمقطورة ، ولو كان لدينا قطار لجاء بالقطار ايضاً ، ورآه يسهر في علب الليل ، منكباً على مشاريع سمسرات وصفقات وعمولات ورشاوى وتهريب قوانين ، وفي النهار يجول على المآتم برفقة جيش من المرافقين مدججين بكل انواع الاسلحة والنظرات المقيتة ، معزياً خافياً مشاعره الكاذبة. فتوغل في وجه ، فرأى البلاهة والسخافة والعنجهية والتبعية  والجهل ، وتوغل اكثر فرأى الولاء المطلق …لغير وطنه .
واختفت الصورتان.
وبرز مشهد اخر ، فرأى صبياً مفعماً بالنشاط والحيوية ، يركض في الحقول جذلاناً ، يطارد الفراشات ، ويقطف الازهار ، مصغياً الى اصوات البلابل والحساسين ،  ثم يعود الى ساحة قريته ،يلعب مع اترابه في “البلبل”   و”الكلة”  و”الغميضة ” و “بالون شاسور”   وفي يده   “عروس زعتر وزيت” . فتفّرس في وجهه ، فرأى البساطة والانشراح والنشاط والبسمة ، وتفرس اكثر فرأى … فرحا”.
وادار نظره ، فشاهد صبياً “مسجوناً” في غرفته المليئة بالالعاب الالكترونية  ، يلعب بهذه اللعبة فيشعر بالملل ، ثم يأخذ تلك ويرميها ، ويعود الى هاتفه يرسل رسائل ” واتس اب” ويستعرض “الفايس بوك” والانسنتغرام” و “تويتر” ،  فيتوتر ، ويفتش عن تسلية جديدة في وجبة “همبرغر” . فغاص في وجهه ، فرأى سأماً وخمولاً وذبولاً وعبثية ، وتفرس اكثر ، فرأى … حزناً.
واختفت الصورتان.
اذ ذاك، قرر الاب اراحة ولده من تناقض الصورالتي يراها ، بين الزمن الجميل والاصيل ،وبين الزمن البائس و اللا زمن ، فسحب يده من يد ابنه  ، فاختفت الصور والومضات . احتج الابن وطلب  المزيد ، فقال له والده :… الى العدد المقبل .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *